نظرية المعرفة عند ابن خلدون : دراسة تحليلية
إن علم اجتماع المعرفة من التخصًّصات الحديثة جدّاً، ولم يتطوَّر ويُعترف به على هذا النحو إلاّ من خلال العقد الأخير أو نحو ذلك، ووفقاً لأُسسه الأساسيّة، لا بدّ أن ننظر إلى العقل البشريّ على أنه أداةٌ لخدمة الإنسان في صراعه من أجل الوجود وليس مرآةً ناصعةً للحقيقة المطلقة.
فالإنسان لا يرى الأشياء كما هي في الواقع، بل كما تبدو من جانب واحد له وهو واقفٌ في موقعه الثقافيّ والاجتماعي ومنهمكٌ بحالته النفسيّة الخاصّة.
إلى جانب ذلك، عادةً ما يتأثّر عقل الإنسان بانتمائه الطبقيّ ووضعه الاجتماعي، وعادةً ما يكون للطبقات المتعارضة منظومات قِيَم متعارضة؛ فما تراه هذه جيداً قد يكون سيّئاً لتلك، فمثلاً، بينما ينظر الأغنياء إلى الثورة أو إلى أيّ نوع من الحركات الاجتماعية على أنها جريمةٌ عقوبتها الإعدام لأنها تهدّد السلم العامّ أو تعكّر صفو النظام العامّ الذي هو برأيها أمرٌ إلهيّ، قد يرى الفقراء في الثورة حدثاً مباركاً أو عملاً إلهياً لــ "إحياء" العدالة الاجتماعية "القديمة".
يبدو أن تحيُّز ابن خلدون القويّ كان أحد أهمّ عوامل إبداعه العلميّ، فمن خلال هذا التحيُّز استطاع ان يرى ما لم يستطع الآخرون رؤيته، وسنلاحظ فيما بعد أن معاصريه كانوا مكبّلين عندما درسوا الظواهر الاجتماعية بتصوّراتهم "المثالية" وأحكام تفكيرهم الطبقيّة، في حين عَبَر ابن خلدون تلك القيود بسبب وضعه الطبقيّ المتميّز وسيرته السياسيّة العاصفة إلى الجانب الآخر من التلّ الذي استطاع أن يؤسس فيه رأياً خاصّاً به.
ولذلك، فإن خطّة الدراسة الحاليّة تدعو إلى شنّ هجوم غير مباشر إلى حدٍّ ما على نظريّات ابن خلدون الاجتماعية، وسنخصّص جزءاً كبيراً من النقاش لدراسة الآراء المتناقضة ومنظومات القِيّم التي ميّزت زمانه ومكانه؛ فقد وجدنا أن نظريّته لا يُمكن أن تُفهم فهماً كاملاً دون أن تقوم بذلك.
ومن خلال مناقشة شاملة لأهمّ معالم الأيديولوجيات المختلفة وأساليب التفكير التي سبقت ظهور كتاب ابن خلدون، سنتمكّن من تسليط المزيد من الضوء على نظريّاته.
- الفئة العمرية المقترحة : لا يوجد
- عدد المجلدات : 1
- عدد الصفحات : 440 صفحة
- القياس : 24*17 سم
- الوزن :
- غلاف الكتاب : غلاف ورقي
- ترجمة : لا يوجد
- تحقيق : لا يوجد
- دار النشر : دار الوراق للنشر

